حسن ابراهيم حسن

119

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

الذي يحيط بالمدينة ، ثم أعطاهما الكتاب ليمحوا ما به ففعلا ، وعاد الموقف إلى ما كان عليه من تبادل المناوشات التي لم تأت بنتيجة حاسمة لأحد الطرفين . وكان الرسول في ذلك الوقت يدأب على مصابرة المسلمين الذين اشتد بهم البلاء وزاد تأثير الجوع والبرد فيهم « 1 » وفي مفاوضة غطفان ابتغاء صرفهم عن قريش ، ليفت ذلك في عضدهم فيرجعوا هم أيضا . وأما قريش فقد ثقل عليهم الحصار وملوا الانتظار في البرد القارس والمطر الذي لم تغن عنهم خيامهم شيئا . عند ذلك جاء إلى الرسول نعيم بن مسعود مسلما ، وعرض عليه أن يكلفه بأي عمل يقوم به في جهاد المشركين وصرفهم عن المدينة ، فقال له خذل عنا فإن الحرب خدعة . فذهب مسعود إلى بني قريظة وحذرهم إن هزمت قريش فنجت بنفسها فتركتهم تحت رحمة محمد ، ثم نصحهم بألا يطمئنوا إلا إذا أعطوهم رهائن من سادتهم وأشرافهم . ثم ذهب إلى كل من قريش وغطفان وأوهمهم أن بني قريظة قد ندموا على نقضهم عهد محمد ، واتفقوا معه على أن يخدعوا له قريشا وغطفان عن بعض سادتهم فيأخذونهم على أنهم رهائن ويقدمونهم إلى محمد ليضرب أعناقهم . فاستعجلت قريش وعد قريظة لها نصرتها ، فكان في جوابهم عليهم ما يؤكد عزم بني قريظة على الغدر بهم . وقد فعلت هذه الوقيعة فعلها في الأحزاب ، وتأكدت قريش وغطفان من غدر القريظيين بهم ، فعزموا على الرحيل . وكان للعوامل الطبيعية أيضا أكبر الأثر في ذلك ، إذ هبت ريح زعزع عانية جعلت تكفأ قدورهم وتنزع خيامهم ، فأرغمتهم على الرحيل .

--> ( 1 ) بلغ من شدة وطأة الجوع على الرسول والمسلمين أن كانوا يربطون الحجارة على بطونهم . وقد ذكر أن الرسول كان يصلى في الليلة التي عادت فيها قريش في مرط ( بكسر الميم وسكون الراء وهو إزار أو كاء من صوف أو خز ) . وروى ابن هشام ( ج 3 ص 250 ) أن حذيفة بن اليمان الذي بعثه الرسول ليتعرف حالة الأحزاب قال : فرجعت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مراجل ( ضرب من وشى اليمن فيه صور المراجل وهي القدور التي يطبخ فيها ، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح على طرف المرط .